خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي

في الذكرى السادسة للتحوّل

قرطاج، 7 نوفمبر 1993

بسم الللّه الرحمان الرحيم،

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

تمرّ اليوم ستّ سنوات على تغيير السابع من نوفمبر 1987. وهي مدّة قصيرة من الزمن ولكنّها غنية بالمكاسب والانجازات. وقد قامت حركة التغيير والإصلاح في كنف الهدوء واستمدّت جذورها ومبادئها من أصالة هذا الشعب ومن تراثه الحضاري الزّاخر بقيم الوطنيّة والتسامح والاعتدال لتنقذ تونس مما علق بها من وهن واحباط في الميادين السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ولتفتح أمام التونسيين والتونسيات عهدا جديدا من الثقة والأمل بتحقيق المصالحة الوطنيّة والانطلاق في أمن وأمان لتجاوز مخلفات الماضي وإرساء مقوّمات المجتمع المدني وتكريس دولة القانون.

ويحقّ لتونس أن تعتزّ اليوم بما حققه لها السابع من نوفمبر من مكاسب وإنجازات في مختلف المجالات وما أشاعه فيها من أمن واستقرار وما أصبح يحدو شعبها من إيمان وحماس في صنع الحاضر وبناء المستقبل.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

لقد تعرضنا في مناسبات سابقة إلى الخطوات الهامة التي قطعت على درب الإصلاح في شتى المجالات وإلى المكاسب المتعدّدة المسجلة على الصعيد الاقتصادي والتي جعلت بلادنا تحظى بمكانة مرموقة وبتقدير المؤسسات الدوليّة.

وإنّ المحيط العالمي الصعب الذي لم تسلم من مضاعفاته حتى البلدان المتقدمة لم يمنعنا من رفع تحديات جسام من أهمها ضمان سلامة التوازنات المالية وتحسين مؤشرات المديونيّة والسيطرة على تضخّم، الأسعار وتحقيق نسب نموّ تتماشى مع الأهداف التي رسمناها في المخطط الثامن.

ولم تكن هذه النتائج وليدة الصدفة بل هي ثمرة عمل إصلاحي جاد دؤوب تواصل على امتداد ستّ سنوات كاملة في نطاق خطة متكاملة تميّزت بالشموليّة والاعتدال وبفضل تضافر جهود كلّ الأطراف الاجتماعيّة وجدية التونسيين وحماسهم.

قد مكنتنا هذه النتائج الإيجابيّة من إكساب اقتصادنا من المناعة ما ساعده على مواجهة التحديات الخارجيّة. وهو ما شجعنا على الإعلان في أواخر السنة الماضية عن قابليّة تحويل الدينار لتسهيل معاملات المستثمرين والمصدرين. ولكن هذه النتائج التي تحققت على إيجابيتها لا تحجب عنا ما قد يعترضنا من صعوبات. بل اننا بقدر ما نفتخر بهذه النتائج يجب أن نلازم اليقظة والانتباه إلى ما ينطوي عليه المستقبل من تحديات.

إنّ العمل الإصلاحي مسار متواصل وليس مرحلة انتقاليّة أو عمليّة نية تمليها اعتبارات ظرفيّة.

ففي نطاق الحركة الإصلاحيّة الشاملة اقدمنا على إصلاح هيكلي عميق للقطاع المالي فحملنا البنوك مسؤوليّة اسناد القروض على أن يتولى البنك المركزي المراقبة اللاحقة ومقابل ذلك وضعنا قواعد وقائيّة تنظم تصرّف البنوك وتضمن توازنها.

وبذلك تتفرغ السلط النقديّة العليا للتفكير المستمرّ في القضايا الهامة للاقتصاد لإيجاد الحلول التي تقتضيها كلّ مرحلة والتي من شأنها التوفيق بين المحافظة على استقرار العملة وقيمتها من ناحية وضرورة ضمان تمويل التنمية ودفع الاستثمار من ناحية ثانية.

ونظرا إلى ما للقرض من دور هام في هذا المجال فلا بدّ من الحرص على أن لا تصبح نسب فوائد الاقتراض عائقا للمبادرة والاستثمار.

وفي ضوء ما حققناه من نتائج مشجعة في التحكّم في التضخم المالي بفضل تضافر جهود كل قوى الإنتاج وما سجل على الساحة العالميّة من انخفاض في أسعار الفائدة وحرصا منّا على مزيد توفير الحوافز التي تدعم المبادرة ومساعدة المؤسسات بمزيد تسهيل شروط التمويل فقد قررنا التخفيض بنقطتين في نسب فائدة القروض علاوة على التخفيض الذي أقررناه بين السنة الماضية والسنة الحالية. وقد أذنا للبنك المركزي بالنظر في كيفيّة مزيد دعم التمويل المصرفي على أساس قواعد النجاعة وأولاويات الاقتصاد الوطني. وسيشفع هذا القرار بمجموعة من الإجراءات المرافقة لضمان انسجام نظام التمويل.

وستشهد بلادنا في السنة القادمة استكمال الإصلاحات الجوهريّة الكبرى في مجال التحرير الاقتصادي ودخول المجلّة الجديدة لتشجيع الاستثمار حيز التطبيق ومواصلة اصلاح الجهاز الإداري وانطلاق عمل المناطق التجاريّة الحرّة وتأهيل بلادنا لتصبح مركزا للتحكيم في مجال التجارة فضلا عن الإنجازات المبرمجة في مجال البنية الأساسيّة وفي عدّة مجالات أخرى كالتشريع الاجتماعي والعلاقات المهنيّة والتربية والتكوين وغيرها.

وستمثل السنة القادمة منعرجا حاسما باعتبار الخطوات التي قطعت في تنفيذ المخطط وما سيتوفّر من إمكانات مواتية للنماء ومن ظروف سانحة لاستشراف الآفاق المستقبليّة من قبل المؤسسات ورجال الاقتصاد خاصة بعدما توفقنا إلى إقرار برنامج ثلاثي للزيادة في الأجور.

الصفحة : 1 - - - -
<< خطب و بيانات