خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي

بمناسبة الاحتفال بالذكرى السابعة لتحوّل السابع من نوفمبر

قرطاج، 7 نوفمبر 1994

بسم اللّه الرحمان الرحيم،

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

نحتفل اليوم بالذكرى السابعة لتغيير السابع من نوفمبر، وبلادنا المعتزة بعراقة نضالها وحيويّة شعبها وصلابة مؤسساتها وتماسك أبنائها تنعم بما حققته من مكاسب ثريّة على كلّ المجالات.

سبع سنوات والتونسيون والتونسيات منكبّون، بهمّة وانسجام، على تكريس مشروع الإصلاح الذي دعوناهم إليه يوم لبّينا نداء الواجب، وتحمّلنا الأمانة التاريخيّة، فأنقذنا البلاد وفتحنا أمام الجميع عهدا جديدا هو عهد الكدّ والجدّ والتعامل الحضاري. واتخذنا من الإجراءات الدستوريّة والقانونيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة ما حرّر المبادرات، ونشّط الإسهام والإضافة، وأذكى قيم التآخي والتضامن.

وقد استلهمنا في ذلك الرصيد الحضاري والنضالي لشعبنا، تجاوبا مع مطامح القوى الحيّة في المجتمع وتطلّعاتها العميقة إلى التقدّم والرّقي، فأشعنا التفاؤل والأمل والشعور بالقدرة على الإنجاز وتخطي الصّعاب.

ولذلك تفاعل الشعب بكافة شرائحه مع التغيير ومع قيمه ومنجزاته، ولذلك أصبح بيان السابع من نوفمبر نبراسا ومرجعا ومصدر إلهام واجتهاد. ولذلك أضحى السابع من نوفمبر عنوان التقدّم والمبادرة والاتقان وميزة كلّ إنجاز في مستوى طموحات الشعب وتطلّعاته.

وهكذا أصبح التغيير يمثّل قوّة دفع هائلة إلي الأمام. تتجدّد باستمرار. وتؤلّف بين قوى الخير والتقدّم. وتوحّد طاقات الشعب جميعها. وتوظّفها لما فيه مناعة تونس وعزّة شعبها.

ولقد نجم عن التغيير طموح عارم عمّ كافّة ميادين العمل وأوجه الحياة في البلاد، وتوق إلى اختزال الزمن وبلوغ أعلى المراتب.

أيها المواطنون،

ايتها المواطنات،

لقد وضعنا خطّة تنمويّة شاملة توفّق بين المطامح الاقتصاديّة ورعاية البعد الاجتماعي، وتكرّس الديمقراطيّة وحقوق الإنسان.

وقد انطلقنا فيها من إيماننا العميق بأنّه لا يمكن فصل قطاع عن قطاع خر، أو الاعتناء بقطاع على حساب قطاع خر. فلا قيمة للحريّة والديمقراطيّة والتعدّدية في مجتمع تنعدم فيه المقوّمات الأساسيّة للتنمية ويشكو أفراده الفقر أو التهميش، كما لا استقرار لمجتمع يتمتّع بالرّفاه الاقتصادي وهو محروم من حقوقه الاجتماعيّة والسياسية. ولذلك اتّسمت مبادراتنا، طوال السنوات السبع الماضية، بالشّموليّة والاعتدال والتّدرّج، والحرص على التوفيق بين الديمقراطيّة والتنمية، ومراعاة حاجات كلّ الفئات والجهات والأجيال حسب إمكانيات البلاد. فحظيت هذه الخطة بتأييد التونسيين جميعا، وحماسهم لها، ومشاركتهم في إنجازها مثلما تعاهدنا عليه في الانتخابات الرئاسيّة الأخيرة، لاستكمال الإصلاح والبناء، والمثابرة على الارتقاء بتونس إلى مرتبة الدول المتقدّمة، في مطلع القرن الحادي والعشرين.

وقد تجسّمت اختياراتنا التنمويّة في دعم مقوّمات الاقتصاد الوطني، وإعادة توزيع الأدوار بين القطاع العام والقطاع الخاص بفتح باب المبادرة وتشجيعها، فتفرّغت الدولة للإشراف على القطاعات الحيويّة، وتوفير البنية الأساسيّة، وتنمية الموارد البشريّة، وممارسة دورها في التحكيم والمراقبة والتوجيه والتأطير، وفي إذكاء قيم التآزر والتضامن.

وبفضل اعتماد التحرّر الاقتصادي، وتشجيع المبادرات الفرديّة، وإحاطتها بكلّ التّسهيلات والحوافز، استعاد المستثمرون ورجال الأعمال الثقة، فتجاوبوا بحماس مع المنهج الإصلاحي، واضطلعوا بدورهم في النهوض بالاقتصاد الوطني.

وقد جعلنا من المؤسسة الخلية الأساسية للبنية الاقتصادية، وأقررنا لفائدتها عدة إجراءات قصد تطوير أساليب عملها وتقنياتها، وتعصير معداتها، ومساعدتها على الرفع من قدرتها التنافسية، وتوجنا ذلك بإصدار المجلة الموحدة للاستثمار خلال هذه السنة.

وقد استطاع اقتصادنا، بفضل الإصلاحات، أن يصمد في وجه التقلبات الحادة للظروف الطبيعية، وأن يتفادى الإنعكاسات السلبية للتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، وما النتائج الإيجابيّة التي سجّلتها بلادنا في مجال ارتفاع نسبة النموّ، وتعديل الميزان التجاري، وتقليص عجز الماليّة العموميّة، والتحكّم في المديونيّة، والحدّ من نسبة التضخم، إلاّ دليل على سلامة منهجنا، وهو ما يقتضي من الجميع تعزيز هذه النتائج ومضاعفتها، بمزيد الجهد والمثابرة، لمواصلة السير بنجاح على درب التقدّم والمناعة.

ومما ييسّر تحقيق هذه الأهداف الإصلاح الذي أدخلناه على هياكل الإدارة وعملها، بتبسيط الإجراءات وتوحيدها واختصار آجالها، وتنظيم القطاع التجاري، والمنافسة الشريفة، ومنع الاحتكار في جميع القطاعات، ودعم سياسة اللامركزيّة.ذ

ونظرا إلى اشتداد المنافسة على الساحة العالميّة، وضرورة مساندة المجهود الذاتي للمؤسسات الاقتصاديّة، بدعم قدراتها في مجال الاستثمار والتصدير والتشغيل، قرّرنا بعث صندوق لتنمية القدرة التنافسيّة الصناعيّة، وذلك قصد تكثيف تدخل المراكز الفنيّة لمساندة المؤسسات الصغرى والمتوسّطة، وتمويل الدراسات القطاعيّة الضروريّة لتنمية مختلف القطاعات الصناعيّة، وإنجاز البرنامج الوطني للنهوض بالجودة.

ونظرا كذلك إلى محدوديّة الموارد الذاتيّة للمؤسسات، وخاصة منها المتوسّطة والصّغرى، التي تعوقها، أحيانا، عن إنجاز برامج هيكلتها الصناعيّة فقد قرّرنا أن يقدّم الصندوق منح هيكلة لهذه المؤسسات، وقروضا للمؤسسات الصغرى والمتوسّطة، حتّى تستكمل أموالها الذاتية لإنجاز تلك البرامج.

وإني أؤكّد، مرّة أخرى، أهميّة التأقلم السريع مع التحوّلات الاقتصاديّة والتكنولوجيّة العالميّة التي تبرز ضرورة مزيد توثيق العلاقات بين المؤسسات الاقتصاديّة والجهاز البنكي والمالي حتّى ترتقي إلى مستوى الشراكة، ممّا يمكّن مؤسساتنا من ربح معركة المنافسة العالميّة.

الصفحة : 1 - - - - -
<< خطب و بيانات