خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي

بمناسبة الذكرى الثامنة للتحوّل

قرطاج، 7 نوفمبر 1995

بسم اللّه الرحمان الرحيم

أيّها المواطنون،

أيّتها المواطنات،

نحيي اليوم في نخوة واعتزاز الذكرى الثامنة لتحوّل السابع من نوفمبر وتونس آ منة حرّة الإرادة منيعة الجانب تتطلّع إلى الارتقاء إلى المكانة اللائقة بها بين الأمم المتقدّمة بأمل رحب وإيمان قويّ، سبيلها إلى ذلك التحام صفوف شعبها وصدق عزيمة أبناءها على الوفاء بحقّها علينا جميعا .

فعن ذلك الوفاء صدرنا يوم أقدمنا، منذ ثماني سنوات على إنقاذ البلاد مما آلت إليه من أوضاع، فالتفّ الشعب حولنا بحماس وهمّة كانا لنا خير سند في مسيرة التغيير الذي أردناه لتونس موعدا متجدّدا مع التاريخ، وخير عون على ما اتّخذنا من مبادرات حازمة، أعدنا بها للمواطنة اعتبارها وللدستور علويته وحفظنا بها سيادة الشعب، في ظلّ القيم الجمهوريّة ودولة القانون والمؤسسات .

ولقد كان الواجب يقضي بالارتفاع بما تدور عليه تلك المبادرات من مراجع وثوابت عن كلّ أشكال الجدل والتردّد، فجعلنا منها اللحمة المتينة بين التونسيين جميعا على اختلاف مواقعهم ورؤاهم، وكرّسنا المصالحة في الميثاق الوطني الذي اجمعت عليه كلّ الحساسيّات والأطراف، التزاما منها بنمط المجتمع الذي اخترناه لأنفسنا، وبثوابت العمل السياسي ومبادئه وغاياته .

وإنّ عزمنا ليزداد صلابة وثقتنا قوّة بعد كلّ خطوة نحقّقها في هذا المسار الذي أصبح يميّز تجربة بلادنا، لنتقدّم بها كلّ يوم نحو الآفاق التي رسمناها لها في مشروع التغيير .

أيّها المواطنون،

أيّتها المواطنات،

إنّ انخراط شعبنا في ذلك المشروع وتعلّقه بالخيارات المنبثقة عنه وثقته المتجدّدة فينا وإيماننا الرّاسخ بإمكاناته وقدراته هي التي مكّنتنا، خلال سنوات قليلة بالنّسبة إلى أعمار الشعوب، من إنجاز علميّة إصلاح جذري شامل لم يستثن أيّ مجال من مجالات الحياة العامّة في ترابط متين وتكامل بين مختلف أبعادها وفق تمشّ وطني ثابت وفيّ لأصولنا الحضاريّة، فتمّ وضع التشريعات الكفيلة بضمان الحقوق المدنيّة والسياسيّة، وترسيخ مقوّمات المواطنة المسؤولة، ودعم الأحزاب والمنظّمات الوطنيّة وسائر مكوّنات المجتمع المدني، وتجسين مبدإ المشاركة بأشمل أبعاده في واقع الحياة العامّة، بلوغا إلى تحقيق التعدّديّة داخل مجلس النواب، وتطوّرات البنية الأساسيّة ونشطت المبادرة في كلّ القطاعات وتكثّف النسيج الاقتصادي الوطني وتنوّع، وتدعّمت المكاسب الاجتماعيّة لكلّ الفئات، وترسّخ التعامل الحضاري بين الأطراف الاجتماعيين، وتطوّرت علاقات الشراكة والتعاون مع الأشقّاء والأصدقاء ممّا بوّأ بلادنا مكانة متميّزة في محيطها الجهوي والعالمي .

لقد حرصنا منذ البداية علي ترسيخ الحوار والتضامن الوطني، وعملنا على إشاعة السّلم الاجتماعيّة وإضفاء المصداقيّة على سياسة التعاقد بين أطراف الانتاج وإقامة العلاقات بينهم على مبدإ الوفاق والمسؤوليّة المشتركة تجاه الوطن وسلامة اقتصاده ونجاعته، وهو ما مكّننا من دعم المكاسب الاجتماعيّة وتطويرها وخلق المناخ الملاءم للرّفع من كفاءة المؤسسة الاقتصاديّة وانتاجيتها كما مكّننا، رغم الصعوبات المناخيّة والدوليّة، من الوفاء بالتزامات البرنامج الثلاثي للزيادة من المرتّبات والأجور، إلى جانب تعميم النّظام الجديد لحوادث الشغل والأمراض المهنيّة على القطاع العام بعد إقراره بالنسبة إلى القطاع الخاص خلال السنة الماضية، وعلي أساس هذا التمشّي ستنطلق في السنة المقبلة حلقة جديدة من المفاوضات الاجتماعيّة في مرحلة دقيقة من مسيرتنا التنمويّة من الضروري أن يكون الجميع واعين بخصائصها خذين في الاعتبار مصالح البلاد والظروف الموضوعيّة على الصعيدين الوطني والدولي. وإنّنا لواثقون من أنّ ترسّخ تقاليد الحوار المسؤول بين الأطراف الاجتماعيّة ببلادنا سيكون خير ما يضمن الحفاظ على تلك المصالح ويؤمّن حقوق الجميع ويحفزهم على أداء الواجب .

إنّ العمق الإنساني الذي أقمنا عليه سياستنا مكّننا من إذكاء جذوة التضامن الوطني النّابع من قيمنا الحضاريّة والوطنيّة، فوضعنا الفئات الضعيفة وفاقدة السند في مقدّمة اهتماماتنا بما يعزّز فيها الإحساس بالكرامة والانتماء الوطني ويوفّر لها أساب التوقّي من الخصاصة ومخاطر الإقصاء، والاندماج في مسيرة التنمية والانتفاع بثمارها. وقد شهدت سنوات التغيير وخصوصا منذ إحداثنا لصندوق التضامن الوطني إنجازات وبرامج متميّزة أكّدت متانة رابطة التآزر والتعاون لدى عبنا ومكّنت من تقليص نسبة الفقر، وإنقاذ سكان المناطق النائية من العزلة وتمتيعهم بالمرافق الأساسيّة، وإنّنا لمثابرون على تلك الاختيارات حتى نخرج بكلّ مناطق الظلّ إلى مواقع النور والتقدّم .

وتكريسا لهذه الخيارات، أولينا العمل البلدي مكانة متقدّمة في سلّم اهتماماتنا بهدف تجسيم مبادئ الديمقراطيّة المحليّة وضمان حقّ المواطن في نوعيّة حياة أفضل، وقد سعينا بالخصوص إلى تعصير الإدارة البلديّة وتطوير هياكلها ودعم وسائل عملها والنهوض بمواردها البشريّة .

كما وضعنا البيئة في صدارة أولويّات التنمية المستديمة تجسيما لحقّ المواطن التونسي في العيش وسط محيط سليم، فضاعفنا خلال فترة المخطط الثامن حجم الاستثمارات في هذا المجال، واتخذنا الإجراءات والحوافز الكفيلة بإعطاء الدفع اللازم للعناية بالبيئة وترسيخ قيمها ونشر ثقافتها .

الصفحة : 1 - - - - - -
<< خطب و بيانات