خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة الاحتفال بالذكرى العاشرة لتحول السابع من نوفمبر قرطاج، 7 نوفمبر 1997

بسم الله الرحمان الرحيم

أيّها المواطنون،

أيّتها المواطنات،

نحتفل بكل نخوة واعتزاز بالذكرى العاشرة للتحوّل، ونحن نستقبل عشرية جديدة بثقة راسخة، وعزم قويّ، على رفع التحديات وكسب الرهانات. فتونس اليوم، بفضل مثابرة شعبها وانخراطه الواعي في حركة الإصلاح، هي بلد العمل والأمل، وموطن الأمان والطموح.

لقد مرّت عشر سنوات منذ أن أقدمنا على إنقاذ البلاد مما تردّت فيه من أوضاع متدهورة، انسدّت بها الآفاق، وتفاقمت بسببها الأخطار على سيادة البلاد، وعلى أمنها السياسي والاجتماعي والإقتصادي، وتراجعت من جرائها مصداقيتها في المحيط الدولي.

وإذ نذكّر بذلك فإننا نجدّد العهد لشعبنا، على مواصلة البذل والجهد والتضحيات، جميعا من أجل تونس، معا في كل شبر من أرضها العزيزة، وفي كل موقع من مواقع الإنتاج والإبداع، حتى تبقى تلك الأيام طي الماضي، لا نتذكرها، إلا لمزيد التحفز للبذل، لنحافظ على مكاسبنا، ونرتقي بها إلى مستوى طموحاتنا.

أيّها المواطنون،

أيّتها المواطنات،

إنّ شعبنا ليعتزّ بما تحقق لتونس، خلال هذه المدة القصيرة بالنسبة إلى أعمار الشعوب، من إنجازات ثبّتت قدمها في طريق التقدم والازدهار، وبدّلت أحوالها في جميع أوجه الحياة. إنها عشرية التحوّل، التي ترسّخت فيها دولة القانون والمؤسسات، وتعزّز خلالها البناء الجمهوري.

وإذا كان التغيير، مشروعا فتحنا به أبواب الأمل من جديد، ورسمنا معالمه فجر السابع من نوفمبر، فإنه اليوم، بناء ثابت مكتمل المكونّات، ساهمت في إقامته القوى الحيّة لشعبنا، ودفعت نَسَقَ إنجازِه طاقاتُه وقدرات أبنائه وبناته. فقد أذكينا تلك الروح التي كانت مصدر قوة هذا الشعب وإشعاعه، طوال تاريخه الممتد على أكثر من ثلاثين قرنا.

إنّ انخراط التونسيين والتونسيات في التغيير منذ اللحظة الأولى، لم يكن مجرّد ردّ فعل، على الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك، بل كان تجسيما لنضج هذا الشعب، وامتدادا للتيار الإصلاحي، الذي عرفه منذ أواسط القرن الماضي، وتواصلا للجذوة الوطنية التي غذت معاركه التحريرية، ولإرادة البناء التي أرسى بها دعائم الدولة الحديثة.

وكانت الإصلاحات التي بادرنا بها في جميع المستويات، بإطلاق الحريات، وإعادة الاعتبار لسيادة القانون، وترسيخ الديمقراطية والتعددية، وحماية حقوق الإنسان، نابعة من قراءة متبصّرة لتجربتنا التاريخية، وواقعنا الاجتماعي، ومتغيرات محيطنا. وقد تدرجنا بها في خطى ثابتة جنّبتها مخاطر الانتكاس أو الدخول في المجهول.

ولم تباغتنا التحولات التي شهدها العالم، لأننا كنا سباقين في خياراتنا. ولم نتأثر بموجات المدّ والجزر الناجمة عن تلك التحوّلات، لأن توجهاتنا وطنية، ومنهجنا تونسي، فيه من قرطاج، عراقة تجربتها وأبعادها المتوسطية، ومن القيروان، أصالتها العربية الإسلامية وإشعاعها في المغرب والمشرق، ومن تونس والزيتونة، الإعتدال والتفتح والتسامح والوسطية.

إنّ اعتقادنا راسخ، أنّ مصير أي شعب لا يتحدد بغير ذكائه، وأنّ النماذج الجاهزة والحلول المسقطة، لا يكتب لها النجاح والدوام، لأنها بلا جذور. ألم تُبيّن التجارب في عديد بلدان العالم، مدى صحة هذه القاعدة ؟ حيث انقلب الأمل الناشئ إلى يأس جديد، والاستقرار إلى فوضى وعودة لمخاطر الماضي.

لقد جعلنا من الوفاق، قيمة فاعلة للتقدم بالتمشي الديمقراطي التعددي، والتدرج به دون تسليمه إلى مخاطر الصراع والتناحر، التي قد تعصف بالثوابت والقيم المرجعية، وتفتح الطريق أمام التطرّف والتعصّب.

إنّ الآليات التي وضعناها لتشريك المواطن في صياغة الخيارات الجوهرية، ولإبداء الرأي في القضايا الوطنية، عبر الاستشارات والتشاور المستمر بين الأطراف السياسية والاجتماعية، وكذلك لدعم مقومات المجتمع المدني، وتعزيز دور المرأة ومساواتها بالرجل، إنما تنبع من تلك القراءة لمجتمعنا، ومن تمشينا في إنجاز مشروع التغيير.

وإنّ وقائع التاريخ المعاصر، تبيّن أنّ عديد الشعوب دفعت الثمن غاليا لتحوّلاتها، فكانت الكلفة البشرية والاقتصادية والاجتماعية مرتفعة، لأنها لم تُحكِم المنهجية. وقد عملنا بحرص، على أن نجنّب شعبنا تلك المخاطر، وعوّلنا عليه بكافة شرائحه وفئاته، لتحقيق الأهداف والطموحات الوطنية، دون تهميش أو إقصاء، بل في تضامن أصبح هو جوهر اللحمة التي تربط بين أبناء هذا الوطن وبناته، سواء كانوا مقيمين على أرضه أو خارجها.

الصفحة : 1 - - - - - - - - - << خطب و بيانات