خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة الاحتفال بالذكرى الحادية عشرة لتحول السابع من نوفمبر قرطاج، 7 نوفمبر 1998

بسم الله الرحمان الرحيم

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

بكل فخر واعتزاز نتوّج اليوم أحد عشر عاما من التغيير، ونقبل على المستقبل بكل عزم وتفاؤل، متمسكين بثوابتنا مؤمنين بمبادئنا، واثقين من خياراتنا ومن إرادة شعبنا ووعيه، وقدرته على رفع التحديات وكسب الرهانات.

إن ما تحقق للتونسيين والتونسيات طوال الفترة الماضية في مختلف المجالات، يرشح بلادنا لدخول القرن المقبل بأوفر الحظوظ لمزيد النجاح والتقدم والإزدهار. فقد خَلّصَتْ سَنَوَاتُ الإنقاذ والإصلاح البلاد، من المكبلات التي كانت تعوق تطورها، وفتحت أبواب الأمل و فاق المستقبل أمام شعبها.

أيها المواطنون،

أيتها المواطنات،

إن المرحلة الأولى من التغيير، كانت مرحلة استعدنا فيها إشراقة تونس وإشعاعها في محيطها، واستنهضنا قواها لتعمل وتنجز، وإنّ ثقتنا بشعبنا اليوم أكبر وعزمنا أشدّ من تقلبات تطرح تساؤلات كبرى. فقد ظهرت بوادر الأزمة الاقتصادية في بلدان كانت تعتبر ناجحة للانخراط في العولمة، والإصلاح والتحوّل إلى اقتصاد السوق دفعة واحدة، بدون أي تحفظات أو احتياطات.

ويحقّ التساؤل أيضا حول آثار العولمة التي يجدر الإحتياط لها، وآفاق النظام العالمي الناشئ، بعدما تبيّن بوضوح، وجود فراغ في الآليات الدولية الكفيلة بتعديل الحركية الكونية للاقتصاد وتوجيهها، وخصوصا بالنسبة لتنقّل رؤوس الأموال والمسائل الماليّة والنقدية عامّة. وهي أوضاع تستدعي الاهتمام ومشاركة الجميع، لا مجموعة الدول الغنيّة وحدها، في السعي إلى إيجاد وفاق أممي وصيغ ملائمة لتفادي تراجع النموّ العالمي، أو عودة شبح أزمة الثلاثينات من هذا القرن.

وقد انتبهت بلادنا منذ التغيير إلى ضرورة اعتماد منهج شمولي يأخذ في الاعتبار تعدد مسارات التحوّل وتشابكها المعقّد، في أي مجتمع من المجتمعات. فالمسارات السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك تطّور الذهنيات، لا تتقدم بنفس السرعة من مرحلة إلى أخرى. وإذا ما أصبح التفاوت مجحفا بينها، فإنها تتحوّل إلى مصدر لفقدان التوازن التنموي والاجتماعي، وبروز مخاطر التهميش ومعوقات التنمية المستديمة.

لذلك كنّا سباقين إلى مقاربة توازي بين الإصلاحات الاقتصادية من ناحية، والإصلاحات الاجتماعية من ناحية أخرى، وتتكامل مع التقدم بالديمقراطية والتنمية الثقافية بنفس الوتيرة. وأسسناها على قيم الوفاق والمصالحة، والاعتدال والوسطية والتضامن.

ولم ننتقل إلى اقتصاد السوق، دون شبكة أمان، أو بالسرعة التي كان ينادي بها الكثيرون. ولم ننتظر ما يجري الآن في العالم لاعتماد خيارنا الذي يؤسس لتحوّل سليم وثابت يرفض الجمود ويتفادى التسرع الذي يُفْقِدُ التحكم في المسار، كما يرفض فصل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية عن بعضها البعض، مراعاة لإمكانيات البلاد وأوضاع مؤسساتنا، ولخصوصيات مختلف الفئات الاجتماعية، ولمصلحة أجيالنا المقبلة.

وإذ تعتبر بلادنا اليوم من بين البلدان الصاعدة، فإنها بفضل تلك الخيارات، لا تُعَدّ من بين البلدان التي يُنْظَرُ إلى مستقبلها بشيء من التخوّف، بحكم الصعوبات العالمية الحاليّة.

إننا نؤمن بأن مصير تونس يصنعه ذكاء شعبها، لا الحلول أو النماذج الجاهزة.

الصفحة : 1 - - - - - - << خطب و بيانات