خطاب سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة أداء اليمين الدستورية
قرطاج، 9 أفريل 1989

بسم الله الرحمان الرحيم

السيد رئيس مجلس النواب،

السادة والسيدات النواب،

يسعدني أن أهنئكم بثقة الشعب بكم، كما يسعدني أن أسجل، بكل اعتزاز، انعقاد الجلسة الأولى لمجلسكم في هذا اليوم المشهود من تاريخ تونس، يوم خرج التونسيون من جميع الفئات، والأجيال، يطالبون ببرلمان تونسي، ودفع الكثير منهم دماءهم في سبيل هذه الغاية.

وإننا إذ نستذكر هذا اليوم الأغر، ونترحم على أرواح الشهداء الطاهرة، نذكر أنفسنا جميعا بثقل الأمانة الموكولة إلينا، وجسامة مسؤوليتنا في تحقيق إرادة شعبنا، في التنمية، والتقدم، والمناعة.

ومن أهم شروط تحقيق هذه الإرادة، تعاون السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية، في وضع الصيغ القانونية المعبرة عن حاجيات المجتمع، المساعدة على رفع التحديات.

أيها السادة والسيدات،

لقد انتخبكم الشعب فأصبحتم، بحكم القانون والأخلاق، نوابا عن الشعب بأسره، مشاركين في تحمل أعباء الحكم. وتحمل أعباء الحكم ليس أمرا هينا، بل أمانة ومسؤولية.

إنكم اليوم مطالبون بالاستماع إلى جميع المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم وتوجهاتهم، ومطالبون بمعايشة مشاغلهم، وتبليغها بكل أمانة وصدق، وبالدفاع عنها. ولكنكم مطالبون، في نفس الوقت، بتعريف المواطن بحقيقة مشاكل البلاد وأوضاعها، من مختلف الجوانب، وبما يقوم به المجلس في سبيل حلّها ومعالجتها.

وستكونون مطلعين أكثر فأكثر، بحكم مباشرتكم لمهامكم، على كل ما يتعلق بالسياسة العامة للبلاد، من خلال المخططات والميزانيات، واشتراككم في المجالس الجهوية، وبحكم تعاملكم الدائم، وتعاونكم الوثيق مع السلطة التنفيذية، وفق ما يخولكم الدستور من مراقبة للحكومة، وخاصة عن طريق الحوار، والمناقشات.

وأنتم مدعوون إلى استطلاع أراء أكثر ما يمكن من المواطنين والقوى من مختلف الفئات والحساسيات، حتى يتدعم تعميق كل واحد منكم للمواضيع والمشاريع بإثراءات جديدة، ويكون على دراية حقيقية واسعة بالقضايا التي تهم البلاد، ويكون أقرب صلة بتطلعات الشعب، ناطقا عن ضميره وضمير الشعب.

أيها السادة والسيدات،

لقد تم انتخابكم على أساس مشروع مجتمعي يهدف إلى تحقيق التنمية والتقدم والرقي الاجتماعي، ويتعين عليكم الحرص على تجسيم هذا المشروع من خلال ما ستسنونه من قوانين، ومن خلال ما ستعرضه عليكم الحكومة من عمل وبرامج.

وينبغي أن ندرك جميعا أن الاصلاح الذي شرعنا فيه منذ السابع من نوفمبر، لم يكتمل بعد، وأننا مازلنا في بداية الطريق، وأن المرحلة التي نمر بها لها خصائصها ومقتضياتها التي لا بد من مراعاتها، وفي مقدمتها العمل على ترسيخ قواعد الحوار الديمقراطي، وتأمين المسار الجديد الذي اخترناه.

وقد سبق أن أكدت، تحقيقا لهذه الغاية، عزمنا على دعم مجلس النواب، وتعزيز مكانته لتمكينه من كل الظروف المناسبة لأداء دوره الوطني، في الرقابة والمتابعة.

ونحن نعتقد أن هذا الظرف بالذات على غاية من الأهمية. فالبلاد تواجه تحديات كثيرة، في مقدمتها توفير الشغل، ومرافق الحياة الضرورية للكثير من المواطنين، ومنها قضايا التربية والتعليم والتثقيف والصحة. ولا سبيل إلى حل هذه المعضلات إلا بتوفير الإمكانيات اللازمة. ولكن موارد البلاد محدودة، والالتجاء المفرط إلى الخارج ينافي مبدأ استقلال البلاد ومناعتها، زيادة على شروطه المجحفة. ولهذا فليس أمامنا من حل غير العمل والكد، وليس لبلادنا قوة، ولا مورد غير العمل.

ينبغي أن يدرك الجميع بوضوح أنه لم يبق أمامنا غير العمل، وهو سبيل النجاة الوحيدة، وأداة توفير الثروة. وإن الدولة لن تبقى قادرة دائما على تحمل الأعباء التي ظلت تتحملها حتى الآن، لأن مواردها من موارد البلاد، ونتائج أعمالها مرتبطة بجهود أبنائها في الإدارة والمؤسسات. والمؤسف أننا كنا لعدة سنوات، مقصرين في حق بلادنا وأنفسنا، حينما أعرضنا لأسباب ليس هنا مجال ذكرها، عن حزم الأمور، ومضاعفة الجهد، وتكثيف النشاط، فغلب التراخي من جهة، والإفراط في الاستهلاك بما يفوق المداخيل من جهة ثانية، وتركنا الجوهر وتعلقنا بالمظاهر، وأدى ذلك أكثر من مرة إلى هزات اجتماعية لا نريد أن تتكرر.

وإذا كان للدولة ضلع في ذلك، بحكم السياسة المنتهجة آنذاك، فإننا نريد اليوم، بعد أن عادت السيادة إلى الشعب، أن يتكفل كل التونسيين بمصيرهم، وأن يدركوا أبعاد مسؤولية كل واحد منهم، ومسؤوليتهم جميعا عن الحاضر والمستقبل، ونريد أن يعرفوا ما يجب أن يعرفوه، بصراحة ووضوح:

إن الجزاء سيكون على قدر العمل، والمكافأة على قدر الجهد، وأن الدولة لن تقدم المساعدة والعون إلا للفئات الاجتماعية المتواضعة والمحتاجة.

وأمامنا ملفات كبيرة لم تعد تحتمل الانتظار، مثل صندوق التعويض الذي لا بد من تعديله بالتدريج، والعودة به إلى دوره وحجمه الحقيقي، ومثل الدين الخارجي وخدماته، وما يستهلكه من المجهود الوطني، ومثل بعض مؤسسات القطاع العام التي انقلبت عبئا على المجموعة الوطنية، وكذلك القطاع الخاص الذي لم يؤد بعض العاملين فيه دورهم كاملا.

إن الحزم واليقظة يقتضيان منا التنبه إلى حقائق الأمور. وينبغي أن يدرك الجميع أن سياسات الترضية والمجاراة لا يمكن أن تفيد البلاد. ولهذا فإننا مقدمون على اجراءات حازمة، لا مفر منها.

وإننا نعول على تفهم المواطنين والمواطنات، وعلى روح الوطنية والبذل والتضحية عند الجميع، لمواجهة هذه التحديات، ولبناء مجتمع تتكافأ فيه الفرص، ويعمه التآزر والتضامن، كما نعول على التنظيمات السياسية والاجتماعية، وعلى دورها الفعال في هذا المجال، لاعتقادنا أن المجتمع المدني الحي الفاعل الديمقراطي هو الإطار الصحيح للعمل الانمائي الشامل.

إن دوركم كبير في تحقيق هذه الغايات، من خلال إدراككم لأهميتها وأبعادها، وتفهمكم لها ونشر وعيها.

ودعما للمصالحة الوطنية التي حقّقناها منذ السابع من نوفمبر سنعرض قريبا على مجلسكم الموقّر مشروع قانون يتعلّق بالعفو التشريعي العام عمن صدرت ضدّهم أحكام من أجل آرائهم أو انتماءاتهم بغضّ النظر عن الهيئات القضائيّة التي أصدرت هذه الأحكام.

أيّها السيّدات والسّادة،

وإنني إذ أجدد لكم التهنئة بثقة الشعب، أريد أن أتوجه بخالص الشكر إلى السادة والسيدات أعضاء المجلس المتخلي لمساهمتهم في تجسيم التغيير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.