22-10-2004

 

الانتخابات التونسية

برنامج انتخابي.. مناظرة استراتيجية

أحمد بو عجيلة(*)

تسعى البرامج الانتخابية في المطلق الى تحقيق هدفين على أقل تقدير. أولهما: هدف سياسي مباشر أو بالأحرى هدف انتخابي مباشر يعمل على استقطاب أوسع قاعدة انتخابية ممكنة، لتعبئتها من أجل التصويت على برنامج انتخابي معيّن لفائدة مترشح من بين المترشحين، وذلك من خلال العملية الانتخابية. ومن ثمة ترتبط حظوظ النجاح بقدرة البرنامج على التوجه الى أوسع قاعدة انتخابية ممكنة وذلك عبر مخاطبتهم، وإدراك مشاغلهم والردّ على مطالبهم وتطلعاتهم وطموحاتهم. ويكون البرنامج ناجحاً من هذا المنظور ـ أي المنظور الانتخابي ـ بقدر اتساع وتنوع دائرة المخاطبين به.
ومن هذه الزاوية نجد في الخطاب الانتخابي للرئيس زين العابدين بن علي حضوراً لمختلف الفئات والقطاعات والجهات والأجيال.

الهدف الثاني هو سياسي استراتيجي يتعلق بنوعية القيم التي تؤسس للاجتماع المدني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع، أي أنموذج لمشروع المجتمعي ولمجموعة من القيم التي تحركه.

ومن هذه الناحية يعدّ البرنامج للرئيس بن علي محوراً لمناظرة استراتيجية وليست فقط انتخابية لمستقبل المجتمع التونسي، قيماً تحركه وميكانيزمات تسيّره وطموحات ينشدها.

إن البرنامج الانتخابي للرئيس بن علي بقدر ما يؤسس لمجتمع تونسي حديث، مجتمع تونس القرن الحادي والعشرين، بقدر ما هو مؤسس على حصيلة 17 عاماً من الإصلاح والبناء والإنجاز. وبهذه الجدلية يكون البرنامج الانتخابي حلقة متقدمة في مسار إصلاحي تتكامل دوائره ولا تتوقف.

وإذا كان كل محور من المحاور الـ21 للبرنامج الانتخابي للرئيس بن علي الذي قدمه في 10 تشرين الأول 2004 في افتتاح حملة الانتخابات الرئاسية والتشريعية، تشكّل برنامجاً طموحاً وقابلاً للتحقيق، فإنني أجد نفسي منشدّاً الى تلك العلاقة التفاعلية التي تربط بين المحور الأول (التشغيل أولويتي دائماً) والمحور الحادي والعشرين (الإصلاح السياسي خيار ثابت ومسار لا يتوقف)، وذلك لجملة من الأسباب أذكر منها:

أولاً، نادراً ما يتم تبني قضية التشغيل بهذه الصراحة والشجاعة في البرامج الانتخابية، باعتبارها قضية حساسة ومعقّدة، وكثيراً ما يتحاشى "الساسة" في مختلف دول العالم، الحديث عنها بوضوح وصراحة. وعندما يضعها الرئيس بن علي في صدارة برنامجه الانتخابي، فإنما يعني ذلك إدراكه العميق للبطالة باعتبارها معضلة، تتمحور حولها مختلف الإشكاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية للمجتمع.
إن البطالة باعتبارها افتقاداً لحرية وحق المشاركة في سوق العمل والشغل، وهي ليست مجرد نقص في الدخل يمكن أن تعوضه الدولة مقابل كلفة مالية تشكل في حد ذاتها عبئاً خطيراً جداً مالياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، بل هي وسيلة لإبقاء الناس خاضعين غير متحررين من الحاجة.

إن البطالة هي أيضاً مصدر إضعاف بعيد المدى للحرية والمبادرة والمهارات الفردية، ولها آثار عديدة من بينها أنها تسهم في "الاستبعاد الاجتماعي" لبعض الفئات وتتسبب في الشعور بفقدان الاعتماد على الذات والثقة بالنفس، بالإضافة الى أضرار تصيب الصحة النفسية والجسدية.

كما أن الفقر والجوع، باعتبارهما من النتائج المباشرة للبطالة، وكذلك الافتقار الى المأوى والحرمان من سبل العيش، هي أعتى انتهاكات حقوق الإنسان. إن الفقر لا يعني مجرد انخفاض في الدخل، بل ينعكس أيضاً من خلال شيوع الأمية وضعف القدرة في الحصول على حياة أطول وأيسر.

ومن هنا كان الرئيس بن علي ثابتاً، في حرصه من خلال برنامجه الانتخابي، على محاربة الفقر والقضاء على البطالة، واضعاً ذلك على رأس أولوياته.

ثانياً، ينطلق السبب الثاني من الربط بين المحورين الأول والحادي والعشرين، ويعكس ذلك وعياً عميقاً لدى الرئيس بن علي بتشابك الظواهر والقضايا وتفاعلها، ذلك أن التخفيف الى أقصى حد ممكن من ضغوط البطالة هو شرط فتح الباب أمام المشاركة السياسية الحقيقية التي تؤدي الى قيام الديموقراطية، باعتبارها مشاركة حرة وواعية في تصريف شؤون المجتمع والوطن. فهل من معنى للديموقراطية باعتبارها جوهر كل إصلاح سياسي في ظل انتشار البطالة واتساع قاعدة المهمشين؟

لقد جاء البرنامج الانتخابي للرئيس بن علي واعياً ومدركاً لأهمية الترابط والتداخل بين الحريات السياسية والوفاء بالاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية. برنامج انتخابي يحارب الفقر والبطالة من جهة، ويعترف بالدور المهم الذي يمكن أن تضطلع به الحريات السياسية في توفير الحوافز والمعلومات من أجل المساعدة في حل المسائل الاقتصادية والاجتماعية الملحة، التي تتوقف بشكل حاسم على إدارة الحوارات والنقاشات العامة المفتوحة والصريحة.

إن تحديد الاحتياجات يرتبط بطبيعة المشاركة والحوار العامين، وقوة الحوار ليست فقط إحدى مستلزمات الديموقراطية، بل إن غرسها كثقافة في المجتمع يمكن أن يجعل الديموقراطية ذاتها تعمل وتثمر على نحو أفضل.

وغني عن التذكير، أن ملامح تونس في القرن الحادي والعشرين، تمت صياغتها من خلال استشارات عامة وواسعة، شاركت فيها مختلف الفئات الاجتماعية والألوان السياسية. لقد صغت تونس وتصغي الى مختلف فئاتها وأجيالها، شبابها ونسائها، تجارها وصناعييها وفلاحيها، مربيها وأطفالها في صياغة مجتمعها من خلال فضاءات الحوار والاستشارات الوطنية والقطاعية التي وقع تنظيمها خلال السنوات الأخيرة. وجمهورية الغد، باعتبارها الأنموذج المجتمعي والسياسي والدستوري لتونس القرن الحادي والعشرين، كانت حصيلة استفتاء شعبي واسع، اختار من خلاله المجتمع التونسي أنموذجه السياسي والاجتماعي، بل قيم ومؤسسات اجتماعه السياسي والمدني للقرن الحادي والعشرين.

إن الإيمان بتلازم الديموقراطية والتنمية في البرنامج الانتخابي للرئيس بن علي، يعني أن حقوق الإنسان المدنية والسياسية لا يمكن لها أن تنمو أو تستقر من دون ضمان الحد الأدنى من حاجيات المواطن الاقتصادية والاجتماعية. فالديموقراطية نظام حكم وإدارة مجتمعات تجاوز فيها الهمّ اليومي للإنسان والمجتمع تسديد حاجياته البيولوجية والمادية. وربما يكون لهذا التحليل والإقرار نتائج وآثار على مستوى التحليل النظري ومسوغاته العملية، لكن التاريخ يبيّن أن الديموقراطية والفقر لا يجتمعان وإن اجتمعا فأمر من أمرين: إما أن تكون ديموقراطية صورية أو تؤول الى نقيضها، أي الى الفوضى والديكتاتورية.

إن التنمية في جوهرها عملية توسيع وتعميق للحريات الحقيقية، التي يجب أن يتمتع بها الإنسان بصفته تلك. ومن ثمة فهي تهدف الى إزالة مختلف مصادر سلب الحرية كالفقر والبطالة وشح الفرص الاقتصادية والحرمان الاجتماعي والغلوّ في التطرّف. وإذا كانت النخبة التونسية قد أدركت مبكراً مصادر الخلل في المنظومات الاقتصادية والاجتماعية السائدة عالمياً، فإنها وجدت الخيار في بناء أنموذج تنموي، يساهم في توسيع دائرة الخيارات الإنسانية للفرد والمجتمع وذلك عبر توفير شروط البيئة المساعدة على تحقيق الإنسان لذاته في ضوء اتساع حاجاته وتنوعها. وتلك هي الأهداف الجوهرية لمضامين المحاور الإحدى والعشرين للبرنامج الانتخابي للرئيس بن علي.

قليلة هي إن لم تكن نادرة الدول النامية التي لا ترتبط ثرواتها وسبل عيشها ومصيرها ارتباطاً وثيقاً بالموارد الطبيعية. ولقد شكل غياب التبعية للرأسمال الطبيعي والموارد غير القابلة للتجديد، فرصة أكثر منه تحدياً بالنسبة الى تونس، وانطلاقاً من هذا الإدراك، اختار الرئيس بن علي المترشح للانتخابات الرئاسية لـ24 تشرين الأول 2004 أن تكون تونس القرن الحادي والعشرين مركزاً دولياً للتجارة والخدمات وذلك في ضوء حسابات دقيقة، تأخذ في الاعتبار إمكانيات بلاده وخصائصها، موقعها وتاريخها، ثرواتها ومواردها، إنسانها ومجتمعها. اختيار نابع من حسابات دقيقة للواقعين الوطني والدولي.

لقد أسس الرئيس بن علي لهذا الخيار شروطه ومتطلباته على امتداد 17 عاماً من العمل والبناء والإنجاز، على مختلف الأصعدة وفي مختلف القطاعات. فقد اختار طريق الانخراط في النظام الاقتصادي العالمي المعولم واقتصاد السوق بما يحمله كل ذلك من فرص وتحديات.

ولم تكن العولمة بالنسبة لسيادته محل مناظرة أكاديمية فكرية ونظرية فحسب، بل كانت فرصة للقيام بخيارات سريعة وصعبة، خيارات تقوم على وقائع حقيقية وموضوعية وليس على الأوهام والأحلام.

1 ـ لقد نجحت تونس في بناء الدولة العصرية الحديثة، المرتبطة بالمجتمع، والعاملة على تحسين ظروف حياته المادية والارتقاء بشروط حياته الثقافية والمدنية، باعتبارها شرط بناء أي حداثة فكرية وسياسية ومدنية واقتصادية واجتماعية من جهة، وإيماناً بأنه لا قيمة لها ـ أي الدولة ـ إلا بقدر ما تعبر عن المجتمع وتعكس مصالحه وقيمه وتتطلع الى تقدمه ورقيّه.


2 ـ ترافقت هذه القناعة ـ بناء الدولة العصرية ـ مع شبكة واسعة من الآليات لترشيد الحكم، عبر توسيع دائرة الاتصال والمشاركة والتكامل بين مختلف القوى الحية في المجتمع، بما يعزز الدور الموكول للفرد والمجتمع، ويستثمر في جميع الإمكانيات الوطنية المتاحة، ويوظف بإحكام المزايا التفاضلية لمختلف العناصر المجتمعية، بما يعنيه ذلك من إغناء وإثراء للأفكار والمقاربات والحلول.

3 ـ قام أنموذج الحكم الرشيد في تونس، على التفاعل والتكامل والتشارك في جهود البحث والاستشراف بين الدولة والنخب الاقتصادية والاجتماعية وتنظيمات المجتمع المدني، عبر اعتماد آليات الاستقصاء والرصد والمقارنة والتقييم والتقويم والإنجاز والتنفيذ، على قاعدة الحوار والاستشارة في مختلف القضايا الوطنية والسياسات العامة والتنموية.

4 ـ وبالنتيجة، توفقت تونس الى جعل المواطن التونسي يبني مستقبله بنفسه، بعد أن رفعت عنه الدولة كل القيود التي تعطّل مبادراته وتنال من قدراته، وأحيت تونس التغيير روح العمل والبذل والمشاركة في المجهود الذي تبذله المجموعة الوطنية، رفعاً لتحديات التنمية. وحررت الاقتصاد وصقلت الطاقات وشحذت المبادرات الحرة وشيّدت بناء أركان المجتمع المدني، عبر تعبئة جهود الأفراد والجماعات، في منظمات وجمعيات تطوعية تشارك بفاعلية في صياغة السياسات العامة وتنفيذ البرامج التنموية.

5 ـ وباختصار، عملت الدولة في تونس، على خلق الذات المتحررة كمقدمة لبناء مجتمع عصري متحرر ومتضامن.

6 ـ انخرطت تونس في سياسات الفضاء المفتوح، وفتحت حدودها بقدر ما غذت تاريخها وتغذت منه وطعمته بالتحديث والأصالة، بعد أن أعادت قراءته، جاعلة منه الثروة المتنامية التي لا تنضب، بما فيها من حضور وامتداد وبروز، وبما توفره ديموغرافيتها الشابة والمتعلمة والمتحررة، وريادة نسائها من فرص وآفاق.

7 ـ تأسيس وتأصيل لقيم وفعل التضامن باعتباره لا ينطوي فقط على تفهم معاناة الفئات المحتاجة والفئات الأقل حظاً والتواصل معها، بل يشمل أيضاً التوحد مع المحتاجين. وإذ يهدف التضامن الى تخفيف وطأة تحرير السياسات الاقتصادية على الفئات محدودة الدخل، فإنه يعمل على إشباع حاجات الإنسان الأساسية، من خلال اقتسام الموارد المادية والوصول الى الخدمات الأساسية، فضلاً عن تكافؤ الفرص في إدراك الإمكانيات والموارد المتاحة. والتضامن في تونس يتجاوز اقتسام الثروات ليعني أيضاً استخدام القدرات العقلية والمهارات الكامنة وتكريسها للارتقاء بكل المجتمع.

8 ـ بناء مجتمع المعرفة والانخراط في اقتصاد الذكاء عبر الاستثمار في الإنسان وذكائه، باعتباره مورداً لا ينضب وبالإضافة الى قابليته الدائمة للتجدد، وقيمته المضافة التي تصنع الفوارق بين مجتمع وآخر. إن معارك الحاضر والمستقبل هي معارك تدور في ساحات المعارف والذكاء. وإذا كان مطلب الشعب التونسي قبل 17 عاماً "رغيف لكل فم" فقد أصبح اليوم "حاسوب لكل بيت".

9 ـ خلق قيم المواطنة المسؤولة التي تحتوي المجال السياسي في مفاهيمه ودلالاته التقليدية، وتتعداه لتشمل مراكز جديدة وحيوية من النشاط المجتمعي والإنساني الخلاق والمبدع، أي تحويل جميع مجالات الحياة المجتمعية الى ميادين تراكم لقيم الإنتاج والإبداع، أي إنجاز تنمية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية.

ولعله من الإنصاف الاعتراف للرئيس بن علي، بأنه نقل تونس من الحلقة الضعيفة في محيطها الى الحلقة القوية والمتينة، بما منحه إياها من وقت وجهد وعمل دؤوب جعل من الإنسان التونسي إنساناً طموحاً متضامناً، مبادراً منسجماً مع مجتمعه وتاريخه وحضارته الضاربة في عمق التاريخ، متطلعاً الى غده وكله إيمان بأن المستقبل يحمل له كل الخير والرخاء.

إنه برنامج انتخابي يؤكد على أولوية التشغيل. يخاطب مختلف الفئات الاجتماعية، يصغي الى مشاغلها ويرد على مطالبها، يجعل من أنموذج المجتمع والحكم حصيلة استشارة واسعة واستفتاء شعبي، هو أنموذج حديث وعصري يستحق الانخراط فيه والعمل من خلاله والتصويت لصالحه وانتخاب صاحبه الرئيس زين العابدين بن علي.

(*) أستاذ جامعي تونسي

 

رجوع