11-10-2004

لهذه الأسباب ولغيرها يلتف التونسيون حول بن علي 

بقلم: أنيس الهمامي

الرئيس التونسي عدّل بوصلة البلاد على مشاغل التونسيين وتطلعاتهم الى التقدم الاقتصادي والرقي الاجتماعي .

ميدل ايست اونلاين
تخوض تونس هذه الفترة إحدى أبرز المحطات السياسية في تاريخها ألا وهي الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي ستجري للمرة الثالثة بعد تحول 7 نوفمبر 1987 وهي انتخابات تعددية .

ويتنافس على رئاسة الجمهورية لأول مرة في تاريخ تونس ثلاثة مترشحين ينافسون الرئيس الحالي زين العابدين بن علي وفي الوقت الذي قررت فيه ثلاثة أحزاب معارضة أن تنافس مرشح التجمع الدستوري الديمقراطي الرئيس بن علي اختار حزبان معارضان آخران مساندته وهما حركة الديمقراطيين الاشتراكيين والاتحاد الوحدوي الديمقراطي إضافة إلى عديد المنظمات والجمعيات وفي مقدمتها نقابة العمال والأعراف وهي من أبرز مكونات المجتمع المدني التونسي .

ويعود تعدد الترشحات للرئاسة في تونس إلى الإصلاحات الكبيرة التي بادر بها الرئيس بن علي والتي شملت نص الدستور إذ تم تعديل الفصل 40 منه مما فسح المجال أمام المعارضة لتقديم مترشحين عنها في هذه الانتخابات .

ويشهد المراقبون ان الرئيس بن علي عدّل بوصلة البلاد على مشاغل التونسيين وتطلعاتهم الى التقدم الاقتصادي والرقي الاجتماعي بفضل ما أقره من إصلاحات كبرى وجوهرية طالت مختلف أوجه حياة المجتمع ووضعته ضمن المسار التاريخي الذي تقتضيه التحولات العميقة التي طرأت على البنى الاجتماعية والثقافية على الصعيدين الوطني والعالمي، وما رافق هذه التحولات من تغيرات أخرى على المستوى السياسي وبذلك اتسعت مجالات العمل السياسي في تونس وتعددت .

ويلاحظ المتتبع للتجربة التونسية في مجال الديمقراطية وحقوق الانسان وتحرير النسق الاجتماعي والثقافي من رواسب البنى التقليدية للسلطة أن هذه التجربة جديرة بكل اهتمام وتكاد تعتبر التجربة الوحيدة الرائدة ضمن المنظومات السياسية العربية التي أمّنت انتقالا هادئا ومتوازنا خاليا من الهزات الاجتماعية والسياسية، من نمط اجتماعي ثقافي تقليدي بامتداداته السياسية إلى نمط مغاير يقوم على مفاهيم التعددية السياسية والمشاركة الفعلية لقوى المجتمع المدني والتشكيلات الحزبية في بلورة الخيارات التنموية وتحديد وجهة المجتمع وآفاق تطوره .

وتتلخص أهمية هذه التجربة في عدة عناصر كالآتي :

ـ منهاج التنمية السياسية الذي اعتمده الرئيس زين العابدين بن علي والذي استبعد ثنائية الإقصاء والاحتواء في التعامل مع الأحزاب السياسية القائمة والناشئة ومع هياكل التمثيل الجماهيري كالنقابات والمنظمات الوطنية حيث دعم النظام استقلالية هذه المنظمات ومكنها من إطار تشريعي للعمل بكل حرية. وهو مناخ ملائم للانتعاش والنمو والانخراط في المسار الديمقراطي بصورة فعلية .

ـ المقاربة التنموية المتكاملة التي سمحت بوجود أرضية خصبة وملائمة لتنامي نمط تفكير وسلوك اجتماعي واقعي ومعتدل لدى التونسيين والتي مكنت أيضا من استئصال جذور التطرف الإيديولوجي بمختلف مشاربه اليمينية واليسارية وجنبت المجتمع الهزات العنيفة غير المرتقبة حيث يعد النموذج التونسي للدولة في زمننا الحاضر أحد النماذج العربية الناجحة من حيث أدائها السياسي والخدماتي وهو ما عزز طموح التونسيين واطمئنانهم على مستقبلهم ومستقبل بلادهم في ظروف إقليمية ودولية صعبة ..

ـ الطريقة والآليات المعتمدة في إدارة الشؤون العامة حيث يمكن القول إن مؤسسات الدولة في تونس بمكوناته الإدارية باختصاصاتها المختلفة وبفضل ما عرفه من تأهيل وإصلاحات مؤسسية وتشريعية يتمتع حاليا بأداء جيد في تواصله مع محيطه الداخلي والخارجي وقد ساهم ذلك بشكل مباشر وغير مباشر في تعزيز مكانة الدولة في المجتمع المحلي والدولي ولدى الهياكل والمنظمات .

ـ اعتماد الرئيس زين العابدين بن علي على النخبة التونسية من جامعيين ومثقفين ومبدعين من ذوي الارتباط العضوي بالمجتمع في إدارة الشؤون العامة وبلورة القرار السياسي إيمانا بمكانة المعرفة والعلم في بناء الدولة الحديثة القائمة على العقلانية والمعرفة العلمية والكفاءة في تسيير شؤون المجتمع .

هذه العوامل في تفاعلاتها وتداخلاتها تفسر إلى حد بعيد النجاحات التي عرفتها تونس في مجال التنمية حيث فاق معدل النمو نسبة 5 بالمائة سنويا وارتفع معدل الدخل الفردي الى 3500 دولار سنويا وحرصت تونس على إقامة علاقات جيدة مع محيطها الخارجي كما حرصت على متابعة الأحداث ومستجدات الحياة الوطنية والعالمية وبدرجة عالية من الواقعية وحسن التقدير والتدبير .

ولئن كانت عديد الاستجابات والإصلاحات الشكلية التي طرأت على بعض الانساق أو النظم السياسية التقليدية وليدة رغبة في التلاؤم مع مقتضيات خارجية فإن ما يزيد التجربة التونسية في مجال الديمقراطية تميزا هو كونها كانت وليدة إرادة ذاتية داخلية أثمرت نسيجا تشريعيا ومؤسساتيا أقر التعددية في المجالس النيابية والبلدية وفي الهيئات الاستشارية وجعل من التشكيلات السياسية وهياكل المجتمع المدني طرفا فاعلا في بلورة الخيارات الوطنية وأمن دستوريا وعمليا تعدد الترشحات للانتخابات الرئاسية وهو ما أعلن عنه سيادة الرئيس بن علي مبكرا في بيانه التاريخي يوم 7 نوفمبر 1987 عندما صرح : "إن شعبنا بلغ من الوعي والنضج ما يسمح لكل أبنائه وبناته بالمشاركة البناءة في تصريف شؤونه في ظل نظام جمهوري يولي المؤسسات مكانتها ويوفر أسباب الديمقراطية المسؤولة وعلى أساس سيادة الشعب كما نص عليها الدستور ".

وبالنظر إلى واقع الحياة السياسية في تونس وإلى تفاعلات المجتمع المدني والسياسي في المدة الأخيرة فإنه يلاحظ أن ترشح الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى الانتخابات الرئاسية القادمة والتي ستعيشها تونس في غضون شهر أكتوبر 2004 كان وليد استجابة لنداءات متكررة صادرة عن تنظيمات المجتمع المدني ممثلة في جمعياته ومنظماته في جانبها الأوفر وعن حزب الأغلبية فيه وهو التجمع الدستوري الديمقراطي الذي عقد مؤتمره خلال شهر يوليو 2003 تحت شعار الطموح والذي يعد أكبر تجمع حزبي وسياسي في تونس باعتباره حزب الحركة الوطنية وحزب بناء الدولة الحديثة الذي عرف بعد تحول 1987 إعادة هيكلة سياسية وتنظيمية جعلته في مقدمة الأحزاب السياسية في تونس، والحزب الأكثر استقطابا للجماهير والنخبة من أبناء الشعب .

هذا ولا يخفي مدى حرص الدولة في تونس على التكريس الفعلي لقيم وسلوك المجتمع الديمقراطي وتطوير الثقافة السياسية للتونسيين. حيث أكد الرئيس بن علي في خطاب ألقاه يوم 7 فبراير 2004 "سنعمل على أن تعكس الانتخابات الرئاسية القادمة مدى ما حققته الحياة السياسية في بلادنا من نضج وتقدم يشكلان وجها من وجوه التقدّم في سائر الميادين كما أن حرصنا على مواصلة الارتقاء بالحياة السياسية من ثوابتنا ".

إن مسيرة التعامل الموضوعي مع الواقع طبعت بقوة التوجهات والخيارات التنموية للدولة في تونس منذ التحول السياسي سنة 1987 وهي التي مكنت من تعزيز مكاسب دولة الاستقلال وتحقيق نقلة نوعية في مستوى نوعية عيش المواطنين بفضل ما تم إدخاله من إصلاحات جريئة وجوهرية في مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة وإنجازات حضارية انبنت على ضرورة التلازم بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي للتنمية .

 

رجوع